أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

266

العقد الفريد

أما تراني كيّسا مكيّسا * بنيت بعد نافع مخيّسا « 1 » حصنا حصينا وأميرا كيّسا وقال الشاعر : ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس وكذلك تعلم أن الصلاة رحمة ، غير أنهم كرهوا الصلاة إلا على الأنبياء . كذلك روينا عن ابن عباس . وسمع سعد بن أبي وقاص ابن أخ له يلبّي ويقول في تلبيته : لبّيك يا ذا المعارج . فقال : نحن نعلم أنه ذو المعارج ، ولكن ليس كذا كنا نلبي على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إنما كنا نقول : لبّيك اللهم لبيك . وكان أبو إبراهيم المزني يقول في بعض ما خطب به داود بن خلف الأصبهاني : « فإن قال كذا فقد خرج عن الملة والحمد للّه » فنقض ذلك عليه داود ، وقال فيما ردّ عليه : نحمد اللّه على أن يخرج امرأ مسلما من الإسلام ؟ وهذا موضع استرجاع ، وللحمد مكان يليق به ، وإنما يقال في المصيبة : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ « 2 » . فامتثل هذه المذاهب ، واجر على هذه القواعد ، وتحفظ في صدور كتبك وفصولها [ وافتتاحها ] وخواتمها وضع كلّ معنى في موضع يليق به ، وتخيّر لكل لفظة معنى يشاكلها ، وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل : نسأل اللّه دفع المحذور ، وصرف المكروه ؛ وأشباه هذا ؛ وفي موضع ذكر المصيبة : إنا للّه وإنا إليه راجعون وفي موضع ذكر النعمة : الحمد للّه خالصا ، والشكر للّه واجبا ، [ وما يشاكل ذلك ] ؛ فإن هذه المواضع يجب على الكاتب أن يتفقدها ويتحفظ فيها ؛ فإنّ الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كل معنى في موضعه ، ويعلّق كل لفظة على طبقتها من المعنى .

--> ( 1 ) المخيس : سجن بالكوفة . ( 2 ) سورة البقرة الآية 156 .